محمد باقر الملكي الميانجي

10

مناهج البيان في تفسير القرآن

الصلاة والسّلام ، وذلك لأنّه عليه السّلام لمّا حوّل القبلة إلى الكعبة طعن اليهود في نبوّته وقالوا : إنّ بيت المقدس أفضل من الكعبة وأحقّ بالاستقبال ، وذلك لأنّه وضع قبل الكعبة ؛ وهو أرض المحشر ، وقبلة جملة الأنبياء . وإذا كان كذلك كان تحويل القبلة منه إلى الكعبة باطلا . فأجاب اللّه تعالى عنه بقوله : « إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ » فبين تعالى أنّ الكعبة أفضل من بيت المقدس وأشرف فكان جعلها قبلة أولى . أقول : هذا النوع من البيان لا ريب فيه إلّا أنّ حمل الآية عليه مشكل فإنّه يمكن أن تكون الآية بيانا مستقلّا في شأن الكعبة وتمهيدا لإيجاب الحجّ إليها . ومحلّ هذا البيت المكرّم الّذي وضع لعبادة اللّه ، البكّة ، والبكّة هي عرصة البيت وما حوله من المطاف ومقام إبراهيم ومصلّاه . سمّيت بكّة لأنّ النّاس تبكّ ويزحم بعضهم بعضا حوله . قال في النهاية 1 / 150 : وسمّيت بكّة لأنّها تبكّ أعناق الجبابرة أي : تدقّها . وقيل : لأنّ الناس يبكّ بعضهم بعضا في الطّواف أي : يزحم ويدفع . وقوله تعالى : « مُبارَكاً » حال من البيت . فإنّ في البيت البركات المعنويّة والظاهريّة . فإنّه وضع لأجل التعبّد والاختبار والتمحيص وغيرها من الأغراض . وقد عمل بهذا التعبّد كثير من الأبرار ، وبوركت به أمم من الأخيار والمؤمنين ، وفازوا وسعدوا بالإيمان به والحجّ إليه . قوله تعالى : « هُدىً لِلْعالَمِينَ » . ( 96 ) قد جرت سنّة اللّه الفاضلة أن يهدي العاملين والمطيعين لأحكامه التعبّديّة مثل الصلاة والصوم والحجّ بهدايات خاصّة ، ويكرمهم بكرامات وافرة بحسب درجاتهم . مثلا جعل الصلاة قربان كلّ تقيّ وقرّة عين سيّد المرسلين . وجعل للصائمين سكينة المخبتين وهدى المخلصين ، وجعل للوافدين إلى فناء البيت والقاصدين له التشرّف بحريم الإيمان والدّخول في بساط القرب والكرامة . فهذا الهدى هو الهدى في مقام الطاعة ، ويجده كلّ من عمل وأخلص للّه طاعته . فهو